علي الأحمدي الميانجي

93

مكاتيب الأئمة ( ع )

رسالته إلى أصحاب الرّأي والقياس : أمّا بَعدُ فَإنَّهُ مَن دَعا غَيرَهُ إلى دِينِهِ بِالارتِياءِ وَالمَقائيسِ ، لَم يُنصِف وَلَم يُصِب حَظَّهُ ؛ لِأَنَّ المَدعُوَّ إلى ذلِكَ لا يَخلو أيضاً مِنَ الآرتِياءِ وَالمَقائيسِ ، وَمَتى ما لَم يَكُن بِالدَّاعي قُوَّةٌ في دُعائِهِ عَلى المَدعُوِّ لَم يُؤمَن عَلى الدّاعي أن يَحتاجَ إلى المَدعُوِّ بَعدَ قَليلٍ ، لِأنّا قَد رَأينا المُتَعَلِّمَ الطّالِبَ رُبَّما كانَ فائِقاً لِمُعَلِّمٍ وَلَو بَعدَ حينٍ ، وَرَأينا المُعَلِّمَ الدّاعِيَ رُبَّما احتاجَ في رأيِهِ إلى رَأي مَن يَدعو وَفي ذلِكَ تَحَيَّرَ الجاهِلونَ ، وَشَكَّ المُرتابونَ ، وَظَنَّ الظّانونَ ، وَلَو كانَ ذلِكَ عِندَ اللَّهِ جائِزاً لَم يَبعَثِ اللَّهُ الرُّسُلَ بِما فيهِ الفَصلُ ، وَلَم يَنهَ عَنِ الهَزلِ ، وَلَم يُعِبِ الجَهلَ ، وَلَكِنَّ النّاسَ لَمّا سَفِهوا الحَقَّ وَغَمَطوا النِّعمَةَ ، وَاستَغنَوا بِجَهلِهِم وَتَدابيرِهِم عَن عِلمِ اللَّهِ ، وَاكتَفَوا بِذلِكَ دونَ رُسُلِهِ وَالقُوّامِ بأمِرِهِ ، وَقالوا : لا شَي ءَ إلّاما أدرَكَتهُ عُقولُنا وَعَرَفَتهُ ألبابُنا ، فَوَلّاهُمُ اللَّه ما تَوَلَّوا ، وَأهمَلَهُم وَخَذَلَهُم حَتّى صاروا عَبَدَةَ أنفُسِهِم مِن حَيثُ لا يَعملونَ . ولو كانَ اللَّهُ رَضِيَ مِنهُم اجتِهادَهُم وَارتِياءَهُم فيما ادَّعَوا مِن ذلِكَ ، لَم يَبعَثِ اللَّهُ إلَيهِم فاصِلًا لِما بَينَهُم ، وَلا زاجِراً عَن وَصفِهِم ، وإنّما استَدلَلنا أنَّ رِضا اللَّهِ غَيرُ ذلِكَ ، بِبَعثِهِ الرُّسُلَ بِالأُمورِ القَيِّمَةِ الصَّحيحَةِ ، وَالتَّحذيرِ عَنِ الأُمورِ المُشكِلَةِ المُفسِدَةِ ، ثُمَّ جَعَلَهُم أبوابَهُ وَصِراطَهُ ، وَالأدِلّاءَ عَلَيهِ بِأمورٍ مَحجوبَةٍ عَنِ الرّأيِ وَالقِياسِ ، فَمَن طَلَبَ ما عِندَ اللَّهِ بِقِياسٍ وَرَأيٍ لَم يَزدَد مِنَ اللَّهِ إلّابُعداً ، وَلَم يَبعَث رَسولًا قَطُّ وَإن طالَ عُمرُهُ قابِلًا مِنَ النّاسِ خِلافَ ما جاءَ بِهِ حَتّى يَكونَ مَتبوعاً مَرَّةً وَتابِعاً أُخرى ، وَلَم يُرَ أيضاً فيما جاءَ بِهِ استعمَلَ رَأياً وَلا مِقياساً حَتّى يَكونَ ذلِكَ وَاضِحاً عِندَهُ كالوَحي مِنَ اللَّهِ ، وَفي ذلِكَ دَليلٌ لِكُلِّ ذي لُبٍّ وَحِجىً ، أنَّ أصحابَ الرَّأي وَالقِياسِ مُخطِئونَ مُدحَضونَ . وَإنّما الاختلافُ فيما دونَ الرُّسُلِ لا في الرُّسُلِ فَإيّاكَ أيُّها المُستَمِعُ أن تَجمَعَ عَلَيكَ خِصلَتَينِ : إحداهُما القَذفُ بِما جاشَ بِهِ صَدرُكَ ، وَاتِّباعُكَ لِنَفسِكَ إلى